انت غير مسجل معنا بالمنتدى
برجاء التسجيل بالمنتدى والتفاعل
وشكرا جزيلا لزيارتك



 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 إمام دار الهجرة، سيدّنا مالك بن أنس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابن الطيب
Admin
avatar

عدد الرسائل : 704
العمر : 41
السٌّمعَة : 12
نقاط : 829
تاريخ التسجيل : 17/08/2008

مُساهمةموضوع: إمام دار الهجرة، سيدّنا مالك بن أنس   الجمعة 12 سبتمبر 2008 - 16:33


مالك بن أنس
عاشق المدينة.. وإمام الحرمين


اجتمعت الأسرة الصغيرة ذات مساء، كما تعودت بعد كل صلاة عشاء، تتذاكر أمور الحياة والدين، فيحكي الأب عما صادفه وجه النهار في متجره الصغير الذي يبيع فيه الحرير، وعما عرض له خلال البيع والشراء من واقعات، ويشرح لأولاده ولأم البنين ما حفظه عن أبيه عن جده الصحابي من أحاديث وآثار، وتأخذ الأسرة باستيعاب ما يقول. وفي تلك الليلة ألقى الأب سؤالا في الدين على أفراد أسرته فأحسنوا الإجابة إلا ولده الأصغر مالكا.. كان في نحو العاشرة، قد حفظ القرآن وبعض الأحاديث، وامتلأت آفاقه بنور الكلمات، ولكن عقله لم يكن قد استطاع أن يعي ما فيها.. وكان مالك لنضارة سنه يحب أن يرتع ويلعب. وغضب أنس على ولده الصغير مالك لأنه أخطأ في الإجابة على سؤال في الدين، ونهره لأنه مشغول باللعب مع الحمام، وهذا يلهيه عن العلم!.
وبكى الصبي كما لم يبك من قبل، وفزع الى أحضان أمه يسألها الحماية والنصيحة، ويستعينها على ما هو فيه.
ونشطت أمه من غدها بعد صلاة الفجر فأدخلته الحمام، وطيبته وألبسته أحسن ثياب وعممته، ودفعت به الى مسجد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ليتلقى العلم، واختارت له حلقة «ربيعة» من بين سبعين حلقة تلتف حول أعمدة المسجد النبوي يقوم عليها سبعون من أساطين العلم.. «وربيعة» هو حينذاك أكبر فقيه يجتهد رأيه ليستنبط الحكم عندما لا يجده في نص قطعي الدلالة.. وهو أكثر العلماء دعوة الى الاجتهاد والأخذ بالرأي ومن أجل ذلك سمي ربيعة الرأي.
ويتعود الصبي بعد ذلك طيلة حياته أن يستحم ويتطيب ويلبس خير ثيابه كلما جلس يتعلم أو ليعلم.
ولكم عجب رواد المسجد لذلك الصبي الأشقر يفوح منه الطيب في عمامة الشيوخ وهو يمسك بلوح يكتب فيه كل ما يقوله «ربيعة» ويشب بعينيه وأذنيه مسائل صعبة من اجتهاد ربيعة الذي لم يكن يروي أحاديث يمكن أن تحفظ، بل يلقي بفتاوي واستنباطات يحتاج فهمها الى عقل ناضج، ورأس كبير جدير بالعمامة التي يحملها.
ومنذ ذلك اليوم من أوائل القرن الثاني للهجرة أخذ مالك نفسه بالمشقة في طلب العلم..
نصحته أمه أن يذهب الى المسجد النبوي، فيجلس الى «ربيعة» ليأخذ من علمه قبل أدبه.. وكان ربيعة مشهورة في المدينة بفقه الرأي.. ولكن الصبي لم يعكف على ربيعة وحده، فقد بهره ما في الحلقات الأخرى من فنون المعارف.. فتنقل بين حلقات الفقهاء.. يحفظ القرآن ويصغي الى تفسيره في هذه الحلقة أ» تلك.. ثم ينتقل الى حلقات أخرى فيحفظ منها الأحاديث النبوية ويستوعب تأويل الأحاديث. ويتلقى فتاوى الصحابة من شيخ، والرد على ما يثار من أفكار وآراء في العقائد من شيخ آخر.. ثم يعود الى ربيعة أو غيره من الشيوخ الذين يجد لديهم علما أغزر.
كان يحمل معه حشية تقيه برد المسجد إذا كان الشتاء، ما كان يكتفي بما يتعلم في المسجد بل يلتمس الشيوخ في دورهم يستزيد من علمهم ويصبر على ما في بعضهم من حدة.. ولقد ينتظر أحد الشيوخ في الطريق ساعات ما يجد فيها شجرة تقيه الهاجرة حتى إذا رأى الشيخ يعود الى داره انتظر لحظة ثم قرع عليه بابه. ولقد يملأ أكمامه بالتمر يهديه لجارية أحد الفقهاء لتمكنه من الخلوص الى العلم المنشود.
وكان مالك إذا جلس ليستمع للأحاديث وهو صبي يحمل معه خيطا فيعقد مع كل حديث عقدة.. حتى إذا كان آخر النهار، أعاد على نفسه الأحاديث وعد العقد، فإن وجد نفسه قد نسي شيئا قرع باب شيخه الذي سمع منه الأحاديث فيحفظ منه ما نسي.
انقطع مالك لطلب العلم، ومات عائله، وشب الفتى وأصبح عليه أن يعول نفسه وزوجته وابنته.. وكانت به تجارة بأربعمائة دينار ورثها عن أبيه، ولكنه كان مشغولا عنها بطلب العلم فكسدت تجارته، واضطر الى أن يبيع خشبا من سقف بيته ليعيش هو واسرته بثمنه، وكان الجوع يعضه ويعض زوجته وابنته فتصرخ الطفلة من الجوع طيلة ليلها. فدير أبوها الرحى ولا يسمع الجيران صراخها..
ولما قد بلغ أوج شبابه، وجد نفسه عاجزا عن توفير ما يكفي أهل بيته إلا أن يضحي بطلب العلم..
فانفجرت أول صرخات اجتهاده وناشد الحاكمين أن يمكنوا أهل العلم من التفرغ للعلم، وأن يجروا عليهم رواتب تكفل لهم الحياة الكريمة..
غير أن أحدا لم يلتفت اليه، فقد كانت الدولة الأموية التي عاش شبابه في ظلها مشغولة بتثبيت أركانها، وبتألف قلوب شيوخ أهل العلم دون شبابهم.
والتقى به في تلك الفترة طالب علم شاب من أهل مصر هو الليث ابن سعد.. كان قد ألف أن يحج ما بين عام وعام ويزور المدينة ويجلس الى حلقات الفقهاء في الحرم النبوي، وقد أعجب كل واحد منهما بذكاء صاحبه ونشأت بينهما علاقة احترام متبادل، وألقى الله في قلبيهما مودة ورحمة... ولاحظ الليث بن سعد أن صديقه ـ على الرغم من أناقة ثيابه ونظافتها، وعلى الرغم من رائحة المسك والطيب التي تسبقه ـ فقير جهد الفقر، وإن كان ليداري فقره تعففا وإباء!..
وكان الليث واسع الغنى، فمنح صاحبه مالا كثيرا وأقسم عليه أن يقبله. وعاد الليث الى وطنه مصر وظل بها يصل صاحبه مالك بن أنس بالهدايا بالمال، حتى أصلح الله حال مالك ووجد من الخلفاء من يستجيب الى ندائه المتصل أن تجري الرواتب على أهل العلم. ولقد سئل مالك عن عدم السعي في طلب الرزق والانقطاع الى العلم فقال:
«لا يبلغ أحد ما يريد من هذا العلم حتى يضربه الفقر ويؤثره على كل حال. ومن طلب هذا الأمر صبر عليه.».
وفي الحق أنه ظل طالب علم بعد أن أصبح فقيها كبيرا يسعى إليه الناس من كل أقطار الأرض وإلى أن توفي سنة 179هـ وفي نحو السادسة والثمانين.
ولقد ظل يعلم الناس، عندما جلس للعلم، أن يتحرجوا في الفتيا وفي إبداء آرائهم، فإذا كان الفقيه غير متثبت مما يقول فعليه في شجاعة أن يعترف بأنه لا يدري. ذلك أن الفتيا لون من البلاء لأهل العلم.
فمن حسب نفسه قد أوتي العلم كله، فهو الجاهل حقا.. وشر الناس مكانا هو من يضع نفسه في مكان ليس أهلا له. وإن رأى الناس غير ذلك، فصاحب العلم أدرى بنفسه، وللرأي أمانته.
ويحكى أن رجلا جاءه من أقصى الغرب موفدا من أحد فقهائها، ليسأل مالكا بن أنس عن مسألة.. فقال مالك: «أخبر الذي أرسلك ألا علم لي بها» فأخبره الرجل أنه جاء من مسيرة ستة أشهر ليسأل عن هذه المسألة. فقال مالك: «ما أدري وما ابتلينا بهذه المسألة في بلدنا وما سمعنا أحدا من أشياخنا تكلم فيها ولكن تعود غدا». وظل مالك يفكر في المسألة ويقرأ ما يمكن أن يتصل بها حتى إذا كان الغد جاءه الرجل فقال له مالك: «سألتني وما أدري ما هي» فقال الرجل «ليس على وجه الأرض أعلم منك وما جئتك من مسيرة أشهر إلا لذلك» فقال مالك: لا أحسن.
بهذه الأناة والتحرج كان مالك يعالج الفتيا.
ولقد عاش في المدينة المنورة طيلة حياته منذ ولد فيها نحو سنة 93هـ إلى أن ثوى تحت ثراها آخر الدهر. لم يبرحها قط إلا لحج أو عمرة..
كان مالك يجد في المدينة ريح النبوة، ونفحات علوية من أنفاس الرسول حتى لكأنه يستنشق كل خفقة من أنسام مدينة الرسول جلال الأيام الباهرة الخالية: أيام النور والوحي والبطلات والفرقان.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://k7alwatia.ahlamontada.net
ابن الطيب
Admin
avatar

عدد الرسائل : 704
العمر : 41
السٌّمعَة : 12
نقاط : 829
تاريخ التسجيل : 17/08/2008

مُساهمةموضوع: رد: إمام دار الهجرة، سيدّنا مالك بن أنس   الجمعة 12 سبتمبر 2008 - 16:36

وما زال أهل المدينة يصغون كما كانوا يصغون في زمن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) والصحابة الأوائل.. إنهم ليتوارثون سنته الشريفة في القول والعمل الآباء عن الأجداد.. آلافا عن آلاف حتى لقد صح عنده أن عمل أهل المدينة في عصره سنة مؤكدة، وأنه أولى بالإعتبار عند الفتيا والقضاء من أحاديث الآحاد..
إنه لعاشق لمدينة رسول الله كما لم يعشق أحد مدينة من قبل ولا من بعد، يكاد يحمل لها من التعظيم ما يحمله للرسول (صلى الله عليه سلم) نفسه ولصحابته.
حكى الشافعي أنه رأى على باب مالك هدايا من خيل خراسانية وبغال مصرية فقال الشافعي «ما أحسن هذه الأفراس والبغال، فقال مالك: هي لك فخذها جميعا. قال الشافعي: ألا تبقي لك منها دابة تركبها؟ قال مالك: إني لأستحي من الله تعالى أن أطأ تربة فيها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بحافر دابة».
وفي الحق أن الحياة في المدينة كانت تناسب طبيعة مالك.. فقد ظلت المدينة بعيدا عن مضطرب التيارات الفكرية التي تصطخب في غيرها من مدائن المسلمين، فهي تعيش على السنن المتوارثة وتنأى بنفسها عن صراع العقائد، والجدل الفلسفي، وكلام الباحثين فيما وراء الغيب، وكل ما أنتجته ترجمة الفلسفات اليونانية والهندية والفارسية.. إنها حقا قرية مؤمنة ورب غفور.. مالك بن أنس رجل يحب الدعة وينشد السكينة، ويعكف على الدرس المطمئن. وهو يكره الجدل واللجاج والصخب والمناظرة، والكلام فيما لا ينفع الناس في حياة كل يوم.
وكان يقول لمن سافر لمن يريدون الجدل في العقائد «لا تجادلوا.. وكلما جاء رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل، وغير الإنسان دينه».
وكان مالك لا يحب أن يخوض غمرات الصراع السياسي.. وكانت المدينة بالقياس الى غيرها من بلاد المسلمين أكثرهن بعدا عن الثورات الفتن ومناهضة الحكام.
ولقد بلغ نفوره من الجدل حدا جعله يصد عنه هارون الرشيد عندما لقيه في المدينة وطلب منه أن يناظر أبا يوسف صاحب أبي حنيفة.
فقال مالك مغضبا: «إن العلم ليس كالتحريش بين البهائم والديكة».
كان مالك يعتقد أن الجدال في الدين مفسدة للدين. وقال: «إن الجدل يبعد المتجادلين عن حقيقة الدين. إن المراء والجدل في الدين يذهبان بنور العلم من قلب المؤمن». وسئل: «رجل له علم بالسنة آلا يجادل عنها؟ فقال: يخبر بالسنة فإن قبل منه، وإلا سكت.»
على أن الأفكار الجديدة اقتحمت على مالك وأهل المدينة حياتهم، وفرضت عليهم النظر فيها، فقد كان أصحابها يذهبن الى الحجاز للحج العمرة وللزيارة.. وكان على مالك وأهل العلم في المدينة أن يناظروا فيما هو مطروح من أفكار وكلام. صفات الله. كيف يرى يوم القيامة، وخلق القرآن.. القدر والجبر والإختيار.
وفرضت القضايا نفسها على فقهاء الحجاز.. أما مالك فقال: «الكلام في الدين أكرهه أنهي عنه ولم يزل أهل بلدنا (المدينة) يكرهونه وينهون عنه.. نحو الكلام في القدر والجبر ونحو ذلك ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل. وما تحته عمل من الدين هو ما يفيد الناس في دنياهم وآخرتهم.. هو الفقه الذي يحكم أعمال الناس ويرد الفروع إلى الأصول». أما العقائد فقد نهى عن الجدل فيها وقد فسر مالك كل آية تحدث عن العداوة والبغضاء التي تقع بين عباد الله، بأنها الخصومات للجدل في الدين.
وكان مالك يتساءل عن جدوى هذه الأفكار المبتدعة عن ذات الله وصفاته والجبر والاختيار؟ وخلق القرآن؟ وما عساها تحقق من مصالح أن تدفع من مضار؟
إنه لأولى بأهل العلم أن يشتغلوا بالحكمة... والحكمة التي جاءت كثيرا في القرآن هي ـ في رأي مالك ـ في دين الله والعمل به..
ولقد أطلق مالك على أصحاب الكلام في العقائد والجبر ونحو ذلك من أصحاب بدع وقال عنهم إنه ما عرف أشد منهم سخفا ولا حمقا. فما جدوى الكلام فيما يتكلمون فيه؟ ماذا يحقق جدل كهذا من مصالح للعباد؟..
إن المعتقدات يجب ألا تكون موضع كلام وعلى المسلم العاقل أن يسلم بها تسليما مطلقا، وأن يجعل همه إلى ما وراء ذلك مما ينفع الناس، ويمكث في الأرض يدفع عنهم الضرر والمفاسد، ويضبط لهم علاقاتهم وحياتهم ومعاشهم بما يستنبط به من أحكام الشريعة.
فليسأل أهل العلم أنفسهم ما هو مقصد الشريعة الإسلامية وما هدفها؟...... وليتقوا الله حق تقاته وهم يجيبون على هذه المسألة... أهو في الشريعة الإسلامية أن يتخاصم الناس ويتمارون حول القدر وخلق القرآن ورؤية الله والجبر الاختيار؟... وبهذا تنصرف العقول عن التفكير فيما ينفع الناس؟.. لا بل إن هدف الشريعة هو إقامة العمران في هذا العالم وتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة..
من أجل ذلك فقد وجب على العلماء والفقهاء أن يبصروا الناس بما يحقق المصلحة ويقيم عمارة العالم، وبما يدرأ عنهم المفاسد وبما يضبط أمورهم على أركان ركينة من العدل والتقوى وصلاح الأمور.
والأحكام التي تحقق مقاصد الشريعة منصوص عليها في القرآن والحديث، ويجب التعرف عليها بكل طرائق الفهم والتفسير، وتدبر ما وضح وما خفي من دلالات النصوص، فإن لم يسعف النص في موجهة ما يستجد من أحداث، فلينظر الفقيه في إجماع الصحابة ليستخلص الحكم، ففي إجماع الصحابة حجة كالسنة المؤكدة، فإن لم يجد الفقيه ما يشفي فلينظر في عمل أهل المدينة لأنهم تلقوه آلافا عن آلاف عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) وصحابته.. فإن كان ما استجد من قضايا لا حكم له عند أهل المدينة فليقس الفقيه ليطبق على القضية الجديدة حكم قضية سابقة وأورد به نصا إن توفرت العلة في القضيتين فإن تعارض هذا القياس مع مصلحة فليفضل الحكم الذي يحقق المصلحة استحسانا له.. فهو الأحسن. وإن لم يسعفه القياس فلينظر في عرف الناس وعاداتهم إن لم يكن مخالفا لما أحله.. فإن لم يجد فلينظر أين المصلحة.. وليجعل تحقيق المصلحة هو مناط الحكم.
على أن مالك بن أنس لم يوفق الى هذه الأفكار ويدلي بها إلا بعد أن أصبح صاحب حلقة يدرس فيها..
فها هو ذا مالك بن أنس تجري به السنون لتعدو الأربعين، وقد لزم الفقهاء نحو ثلاثين عاما، فتلقى عنهم الأحاديث النبوية، ومحصها وحقق إسنادها وتدارس معهم ما ينبغي لاستنباط الأحكام التي تواجه قضايا لم تعرض من قبل، وتعلم منهم الكتاب والحكمة، وتفكر في خلق السموات والأرض وأحوال العباد، وتدارس معاملات الناس، فتكون له رأي خاص، واستقل بنظره في كل أمور الدنيا والآخرة اتبع في بعضه السنة وأفكار السلف الصالح وعمل أهل المدينة وأعرافها وعاداتها.
واستنبط الأحكام في بعضه الآخر بما يحقق المنفعة ويدرأ المفسدة.
جاء الوقت الذي ينبغي له فيه أن يجلس إلى أحد أعمدة الحرم النبوي، ويجعل له حلقة خاصة يفتي فيها للناس ويعلمهم مما علم رشدا ويطرح عليهم ما تكون له من فقه وما استقر عنده من تأويل الأحاديث.
وكان مالك قبل أن يجلس ليعلم الناس ويفتيهم، قد اختلف مع أستاذه ربيعة، فرأى مالك أن يستقل بحلقة، اقترحها عليه مشايعوه، غير أنه لم يفعلها من فوره بل طلب على سبعين من أصحاب الحلقات والشيوخ في المسجد النبوي، يعرض عليهم فقهه، ويستأذنهم في أن يجلس ليعلم الناس.
وأجازه له أستاذته لم يختلف على إجازته أحد، اختار المكان الذي كان يجلس فيه عمر بن الخطاب ليبستروح منه جلال الأيام الرائعة الماضية، حيث كان كل الصحابة يعيشون في المدينة المنورة.. أمسكهم فيها عمر لا يبرحونها إلا بإذنه، لكي يعلموا الناس، ولكي يستشيرهم إذا احتاج الأمر، ولكيلا يفتن بهم أهل الأقطار الأخرى من حديثي العهد بالإسلام.
وكان أنس بن مالك من قبل قد اختار سكنا له دار الصحابي عبد الله ابن مسعود، ليخفق منه القلب بنبضات عصر النبوة.. ذلك العصر المضيء بنور الإيمان والمعرفة والشوق المقدس العظيم الى صياغة عالم جديد من الطهارة والإخاء والنبل والعدالة والحرية والسكينة والنعيم..
ولقد أثث مالك بن أنس داره بأجمل أثاث، وزينها بأحسن زينة وملأ أجواءها بعرف البخور المعطر. ذلك أن الحياة أقبلت عليه.. فنال راتبا كبيرا من بيت المال، ثم توالت عليه هدايا الخلفاء فقد اقتنع الخلفاء برأيه في أن أهل العلم يجب ألا يشغلوا عنه بالسعي في طلب الرزق، بل يجب أن يكون لهم نصيب من بيت المال، فينالوا منه رواتب منتظمة كبيرة، كما ينال قواد الجيش الذين يقومون على حماية الأمة وسد الثغور... فنشر العلم سد للثغور الروحية أمام الجهل، والتوفير على نشر العلم جهاد. وإذن فينبغي أن يكون لكل من العالم وطالب العلم جزاء المجاهدين كل بقدر ما يكفيه.
إن العلماء ليحمون أرواح الناس وعقولهم من الضلال، فمن واجب ولي الأمر أن يوفر لهم من المال ما يكفل لهم الحياة الكريمة والمظهر اللائق الحسن كخير ما ينعم به الولاة والأمراء وحماة الثغور.
على أنه كان يغدق من راتبه ومما يتلقى من هدايا على الفقراء من طلاب العلم يعطيهم ما تيسر من المال ويطعمهم أشهى طعام.. وكان حفيا بمأكله يختار الأطايب من كل صنف وكان مولعا بالفاكهة وخاصة الموز ويقول عنه: «لا شيء أكثر شبها بثمرات أهل الجنة منه، لا تطلبه في شتاء ولا صيف إلا وجدته.. قال تعالى «أكلها دائم وظلها».
وكان يحض تلاميذه على الاهتمام بحسن التغذية، فالغذاء الجيد يبني الجسم السليم.. والعقل السليم في الجسم السليم. ومكابد العلم تحتاج الى عقول نشطة تصونها أجساد قوية..
وهكذا عاش منذ بدأ يجلس للإفتاء والتدريس: جسد قوي، وعقل نفاذ.. طعام حسن ومسكن جيد وثياب أنيقة بيضاء من خير ما تنتجه مصر وخراسان وعدن.
وألف الناس كلما دخلوا المسجد النبوي بعد صالة الفجر أن رجلا مهيبا طويلا فارعا أشقر، أبيض الوجه، اوسع العينين، أشم الأنف، كبير اللحية، مفتول الشارب، يتخذ مكانه في هدوء، ويتحدث في صوب عميق صادق مستندا الى عمود من حوله حلقة من تلاميذه، كأن على رؤوسهم الطير. فإذا دخل غريب وألقى السلام لم يرد عليه أحدا إلا همسا.. فإذا سأل ما هذا؟ قيل له في صوت خفيف: إنه الإمام مالك بن أنس.
فقد كان يفيض إذا تكلم، وينفذ بصدقه الى القلوب.. ولم يكن جهير الصوت، فكان تلاميذه يكادون يمسكون بأنفاسهم لكيلا يفوتهم حرف مما يقول.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://k7alwatia.ahlamontada.net
الجمازى

avatar

عدد الرسائل : 112
العمر : 36
السٌّمعَة : 4
نقاط : 184
تاريخ التسجيل : 01/02/2010

مُساهمةموضوع: رد: إمام دار الهجرة، سيدّنا مالك بن أنس   السبت 26 يونيو 2010 - 9:58

بكـيت بدمــع واكـف فـقـد مــالـك *** ففي فقـــــده سـدت عليـنا المـســــالـك
ومــالي لا أبكـي علـيه وقـد بكـت *** عـليـه الثريـا والنجـــوم الـشـــوابــك
حلفـت بما أهــــدت قريش وجلـلـت *** صبيحة عشر حين تقضى المـناسـك
لنعم وعـاء العـلم والفقـه مـــالـك *** إذا عـد مفقــــود من النــــاس هـــالـك


هذه ابيات منقوله من احد المنتديات اعجبتنى كثيرا
رضى الله عن امام دار الهجره
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابن الطيب
Admin
avatar

عدد الرسائل : 704
العمر : 41
السٌّمعَة : 12
نقاط : 829
تاريخ التسجيل : 17/08/2008

مُساهمةموضوع: رد: إمام دار الهجرة، سيدّنا مالك بن أنس   الأحد 1 أغسطس 2010 - 19:24

تشرفت بمرورك الكريم
بارك الله تعالى فيك


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://k7alwatia.ahlamontada.net
 
إمام دار الهجرة، سيدّنا مالك بن أنس
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: القسم الإســـلامي :: تراجم المشايخ والعلماء-
انتقل الى: