انت غير مسجل معنا بالمنتدى
برجاء التسجيل بالمنتدى والتفاعل
وشكرا جزيلا لزيارتك



 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مراحل الدعوة الإسلامية فى حياة النبى عليه الصلاة و السلام (فقه السيرة - البوطي)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابن الطيب
Admin
avatar

عدد الرسائل : 704
العمر : 42
السٌّمعَة : 12
نقاط : 829
تاريخ التسجيل : 17/08/2008

مُساهمةموضوع: مراحل الدعوة الإسلامية فى حياة النبى عليه الصلاة و السلام (فقه السيرة - البوطي)   الإثنين 19 أكتوبر 2009 - 23:02




مراحل الدعوة الإسلامية فى حياة النبى عليه الصلاة و السلام


مرت الدعوة الإسلامية فى حياته عليه الصلاة و السلام منذ بعثته الى وفاته بأربع مراحل :
المرحلة الأولى : الدعوة سراً ’ واستمرت ثلاث سنوات .
المرحلة الثانية : الدعوة جهراً ’ وباللسان فقط ’ دون قتال واستمرت الى الهجرة .
المرحلة الثالثة : الدعوة جهراً مع قتال المعتدين و البادئين بالقتال أو الشر واستمرت هذه المرحلة الى عام صلح الحديبية .
المرحلة الرابعة : الدعوة جهراً مع محاربة كل من وقف فى سبيل الدعوة أو امتنع عن الدخول فى الإسلام - بعد فترة الدعوة و الإعلام - من المشركين أو الملاحدة أو الوثنيين .
وكانت هذه المرحلة هى التى استقر عليها أمر الشريعة الإسلامية ’ وحكم الجهاد فى الإسلام .
الدعوة سرا
بدأ النبى صلى الله عليه وسلم يستجيب لأمر الله ’ فأخذ يدعو الى عبادة الله وحده ونبذ عبادة الأصنام ’ ولكنه كان يدعو الى ذلك سراً حذراً من وقع الماجأة على قريش التى كانت متعصبة لشركها ووثنيتها ’ فلم يكن عليه الصلاة و السلام يظهر الدعوة فى المجالس العمومية لقريش ’ ولم يكن يدعو إلاّ من كانت تشده إليه صلة قرابة أو معرفة سابقة .
وكان فى أوائل من دخل الإسلام من هؤلاء خديجة بنت خويلد رضى الله عنها وعلى ابن ابى طالب ’ وزيد ابن حارثة مولاه عليه الصلاة و السلام ومتبناه ’ وأبو بكر ابن أبى قحافة ’ وعثمان ابن عفان ’ والزبير ابن العوام ’ وعبد الرحمن ابن عوف ’ وسعد ابن ابى وقاص ... وغيرهم رضى الله عنهم جميعا .
فإن هؤلاء يلتقون بالنبى سراً وكان أحدهم إذا أراد ممارسة عبادة من العبادات ذهب الى شعاب مكة يستخفى فيها عن أنظار قريش . ثم لما أربى الذين دخلوا فى الإسلام على الثلاثين - ما بين رجل وامرأة - إحتار لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دار أحدهم ’ وهو الأرقم ابن ابى الأرقم ’ ليلتقى بهم فيها لحاجات الإرشاد و التعليم ’ وكانت حصيلة الدعوة فى هذه الفترة ما يقارب الأربعين رجلا وامرأة دخلوا فى الإسلام ’ عامتهم من الفقراء و الأرقاء وممن لا شأن له بين قريش .
العبر و العظات :
1- وجه السرية فى بدء دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم :
لا ريب أن تكتم النبى صلى اله عليه وسلم فى دعوته الى الإسلام ’ خلال هذه السنوات الأولى ’ لم يكن بسبب الخوف على نفسه ’ فهو حينما كلف بالدعوة ونزل عليه الوحى وقوله تعالى : ( يا أيها المدثر قم فأنذر ) علم أنه رسول الله الى الناس ’ وهو لذلك كان يوقن بأن الإله الذى ابتعثه وكلفه بهذه الدعوة قادر على أن يحميه ويعصمه من الناس ’ على أن الله عز وجل لو أمره من اول يوم أن يصدع بالدعوة بين الناس علناً ’ لما توانى عن ذلك ساعة ’ ولو كان يتراءى له فى ذلك مصرعه .
ولكن الله عز وجل ألهمه - والإلهام للرسول نوع من الوحى - أن يبدأ الدعوة فى فترتها الأولى ’ بسرية وتكتم ’ وأن لا يلقى بها إلا من يغلب على ظنه أنه سيصيخ لها ويؤمن بها ’ تعليماً للدعاة من بعده ’ وإرشاداً لهم الى مشروعية الأخذ بالحيطة و الأسباب الظاهرة ’ وما يقرره التفكير و العقل السليم من الوسائل التى ينبغى أن تتخذ من أجل الوصول الى غايات الدعوة وأهدافها ’ على أن لا يتغلب كل ذلك على الإعتماد و الإتكال علىالله وحده وعلى ألا يذهب الإنسان فى التمسك بهذه الأسباب مذهباً يعطيها معنى التأثير و الفعالية فى تصوره وتفكيره ’ فهذا يخدش أصل الإيمان بالله تعالى ’ فضلا عن أنه يتنافى مع طبيعة الدعوة الى الإسلام . ومن هنا تدرك ’ أن أسلوب دعوته عليه الصلاة و السلام فى هذه الفترة كان من قبيل السياسة الشرعية بوصف كونه إماماً ’ وليس من أعماله التبليغية عن الله تعالى بوصف كونه نبياً .
وبناءاً على ذلك فإنه يجوز لأصحاب الدعوة الإسلامية ’ فى كل عصر أن يستعملوا المرونة فى كيفية الدعوة - من حيث التكتم و الجهر ’ أو اللين و القوة - حسبما تقتضيه الظروف وحال العصر الذى يعيشون فيه ’ وهى مرونة حددتها الشريعة الإسلامية ’ إعتماداً على واقع سيرته صلى الله عليه وسلم ’ ضمن الأشكال و المراحل الأربعة التى سبق ذكرها ’ على أن يكون النظر فى كل ذلك الى المصلحة للمسلمين ومصلحة الدعوة الإسلامية .
ومن أجل هذا أجمع جمهور الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدة بحيث يغلب عليهم الظن أنهم سيقتلون من غير أى نكاية فى أعدائهم ’ إذا ما أجمعوا قتالهم ’ فينبغى أن تقدم هنا مصلحة حفظ النفس ’ لأن المصلحة المقابلة وهى مصلحة حفظ الدين موهومة أو منفية الوقوع .
ويقرر العز ابن عبد السلام حرمة الخوض فى مثل هذا الجهاد قائلا : ( فإذا لم تحصل النكاية وجب الإنهزام ’ لما فى الثبوت من فوات النفس مع شفاء صدور الكفار وارغام أهل الإسلام ’ وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة ’ ليس فى طيها مصلحة )
قلت : وتقديم مصلحة النفس هنا ’ من حيث الظاهر فقط .
أما من حيث حقيقة الأمر ومرماه البعيد ’ فإنها فى الواقع مصلحة دين ’ إذ المصلحة الدينية تقتضى- فى مثل هذا الحال - أن تبقى أرواح المسلمين سليمة لكى يتقدموا ويجاهدوا فى الميادين المفتوحة الأخرى ’ وإلا هلاكهم يعتبر إضراراً بالدين نفسه وفسحاً للمجال أمام الكافرين ليقتحموا ما كان مسدوداً أمامهم من السبل .
و الخلاصة أنه يجب المسالمة أو الإسرار بالدعوة إذا كان الجهر أو القتال يضر بها ولا يجوز الإسرار فى الدعوة إذا أمكن الجهر بها بها وكان ذلك مفيداً ’ ولا يجوز المسالمة مع الظالمين و المتربصين بها إذا توفرت أسباب القوة و الدفاع عنها ’ ولا يجوز القعود عن جهاد الكافرين فى عقر دارهم إذا ما توافرت وسائل ذلك و أسبابه .
2- الأوائل الذين دخلوا فى الإسلام و الحكمة من إسراعهم الى الإسلام قبل غيره :
وتحدثنا السيرة أن الذين دخلوا فى الإسلام فى هذه المرحلة كان معظمهم خليطا من الفقراء و الضعفاء و الأرقاء فما الحكمة من ذلك ؟ وما السر فى أن تأسس الدولة الإسلامية على أركان مثل هؤلاء الناس ؟ .
والجواب أن هذه الظاهرة هى الثمرة الطبيعية لدعوة الأنبياء فى فترتها الأولى ’ ألم تر الى قوم نوح كيف كانوا يعيرونه بأن أتباعه الذين من حوله ليسوا إلا من أراذل الناس ودهمائهم : ( ما نراك إلا بشرا مثلنا ’ وما نراك إتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى ) هود 27 ’ والى فرعون وشيعته كيف كانوا يرون أتباع موسى أذلاء مستضعفين ’ حتى قال الله عنهم بعد أن تحدث عن هلاك فرعون و أشياعه : ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التى باركنا فيها ) الأعراف 137 ’ وإلى ثمود الذين أرسل الله إليهم صالحاً ’ كيف تولى عنه الزعماء المستكبرون ’ وآمن به الناس المستضعفون ’ حتى قال الله فى ذلك : ( قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه ؟ قالوا إنّا بما أرسل به مؤمنون ’ قال الذين استكبروا إنّا بالذى آمنتم به كافرون ) .
والسر فى ذلك أن حقيقة هذا الدين الذى بعث الله به عامة أنبيائه ورسله إنما هى الخروج عن سلطان الناس وحكمهم الى سلطان الله وحكمه وحده ’ وهى حقيقة تخدش أول ما تخدش ألوهية المتألهين وحاكمية المتحكمين وسطوة المتزعمين ’ وتناسب أول ما تناسب حالة المستضعفين و المستذلين و المستعبدين . فيكون رد الفعل أمام الدعوة الى الإسلام لله وحده وهو المكابرة و العناد من أولئك المتألهين و المتحكمين ’ والإذعان والإستجابة من هؤلاء المستضعفين ’ وانظر ’ فإن هذه الحقيقة تتجلى بوضوح فى الحديث الذى دار بين رستم قائد الجيش الفارسى فى وقعة القادسية ’ وربعى ابن عامر الجندى البسيط فى جيش سعد ابن أبى وقاص فقد قال له رستم : ما الذى دعاكم الى حربنا و الولوع بديارنا ؟ فقال : جئنا لنخرج من شاء من عبادة العباد الى عبادة الله وحده ’ ثم نظر الى صفوف الناس الراكعين عن يمين رستم وشماله ’ فقال متعجباً : ( لقد كانت تبلغنا عنكم الأحلام ’ ولكنى لا أرى قوماً أسفه منكم ’ إننا معشر المسلمين لا يستعبد بعضنا بعضا ’ ولقد ظننت أنكم تتواسون كما نتواسى ’ وكان أحسن من الذى تصنعون أن تخبرونى أن بعضكم أرباب بعض ....... )
فالتفت المستضعفون بعضهم الى بعض يتهامسون : صدق والله العربى .......
أمّا القادة والرؤساء فقد وجدوا فى كلام ربعى هذا ما يشبه الصاعقة أصابت كيانهم فحطمته ’ وقال بعضهم لبعض : ( لقد رمى بكلام لا تزال عبيدنا تنزع إليه ) .
ولا يعنى هذا الكلام أن المستضعفين الذين أسرعوا الى الإسلام قبل غيرهم لم يكن دخولهم فيه عن إيمان بل عن قصد ورغبة فى التخلص من أذى المستكبرين وسلطانهم . ذلك لأن الإيمان بالله وحده والتصديق بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ’ كان قدرا مشتركا بين زعماء قريش و مستضعفيها ’ فما منهم أحد إلا وهو يعلم صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما يخبر عن ربه ’ غير أن الزعماء و الكبراء فيهم كانت تصدهم زعامتهم عن الإنقياد و الإتباع له ’ وأجلى مثل على ذلك عمه أبو طالب . وأما الفقراء و المستضعفون فما كان ليصدهم عن التجاوب مع إيمانهم و الإنقياد له عليه الصلاة و السلام شىء ’ أضف الى ذلك ما يشعر به أحدهم عند إيمانه بألوهية الله وحده من الإعتزاز به وعدم الإكتراث بسلطان غير سلطانه أو قوة غير قوته ’ فهذا الشعور الذى هو ثمرة الإيمان بالله عز وجل ’ يزيد فى نفس الوقت قوة ويجعل صاحبه فى نشوة وسعادة غامرة .
ومن هنا تعلم عظم الفرية التى يفتريها بعض محترفى الغزو الفكرى فى هذا العصر ’ حينما يزعمون بأن الدعوة التى قام بها محمد صلى الله عليه وسلم ’ إنما هى من وحى بيئته العربية نفسها ’ وأنها إنما كانت تمثل حركة الفكر العربى إذ ذاك . فلو كان ذلك كذلك ’ لما كان رصيد هذه الدعوة خلال ثلاث سنوات من بدايتها أربعون رجلا وامرأة ’ عامتهم من الفقراء و المستضعفين والموالى و الأرقاء ’ وفى مقدمتهم أخلاط من مختلفى الأعاجم : صهيب الرومى ’ وبلال الحبشى .
وسوف تجد فى البحوث القادمة أن بيئته العربية نفسها هى التى أرغمته على الهجرة من بلاده و أرغمت أتباعه من حوله على التفرق هنا وهناك و الخروج الى بلاد الحبشة مهاجرين وذلك كراهية منها للدعوة التى زعموا أنه إنما كان يمثل بها نوازعها و أفكارها .
الجهر بالدعوة
قال ابن هشام : ثم دخل الناس فى الإسلام أرسالا من النساء و الرجال حتى فشى ذكر الإسلام بمكة وتحدث به ’ فأمر الله رسوله أن يصدع بما جاءه من الحق ’ وأن يبادى الناس بأمره وأن يدعو إليه ’ وكان بين ما أخفى رسول الله أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين من مبعثه . ثم قال الله له : ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) وقال له : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ’ واخفض جناحك لمن إتبعك من المؤمنين وقل إنى أنا النذير المبين ) .
وحينئذ بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنفيذ أمر ربه ’ فاستجاب لقوله تعالى ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) بأن صعد الى جبل الصفا فجعل ينادى : يا بنى فهر ’ يا بنى عدىّ ’ حتى إجتمعوا ’ ةفجعل الذى لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا لينظر : ما هو ؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم : أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقىّ ؟ قالوا ما جربنا عليك كذباً ’ قال : فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد ’ فقال أبو لهب تباً لك سائر اليوم .. ألهذا جمعتنا ؟ فنزل قوله تعالى ( تبت يدا أبى لهب وتبّ ) . ثم نزل الرسول صلى الله عليه وسلم فاستجاب لقوله تعالى ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) بأن جمع من حوله ذويه وأهل قرابته وعشيرته ’ فقال يا بنى كعب بن لؤى أنقذوا أنفسكم من النار ’ يابنى مرة ابن كعب : أنقذوا أنفسكم من النار ’ يا بنى عبد شمس : أنقذوا أنفسكم من النار ’ يا بنى عبد مناف : أنقذوا أنفسكم من النار ’ يا بنى عبد المطلب : أنقذوا أنفسكم من النار ’ يا فاطمة أنقذى نفسك من النار فإنى لا أملك لك من الله شيئاً غير أن لكم رحماً سأبلّها ببلاها .
وكان رد فعل قريش أمام جهره بالدعوة ’ أن أدبروا عنه وتنكروالدعوته معتذرين بأنهم لا يستطيعون أن يتركوا الدين الذى ورثوه عن آبائهم وأصبح من تقاليد حياتهم وحينئذ نبههم الرسول صلى الله عليه وسلم الى ضرورة تحرير أفكارهم وعقولهم من عبودية الإتباع و التقليد ’ واستعمال العقل و المنطق ’ وأوضح لهم أن آلهتهم التى يعكفون على عبادتها لا تفيدهم أو تضرهم شيئا ’ وأن توارث آباءهم وأجدادهم لعبادتها ليس عذرا فى إتباعهم بدون دافع إلا دافع التقليد ’ كما قال الله عز وجل فى حقهم وإذا قيل لهم تعالو الى ما أنزل الله وإلى الرسول ’ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ) !؟
فلما عاب آلهتهم ’ وسفه أحلامهم ’ وجرّ إعتذارهم عن تمسكهم بعبادة الأصنام بأنها تقاليد آباءهم وأجدادهم ’ الى وصف آباءهم بعدم العقل - أعظموا الأمر ’ وناكروه ’ وأجمعوا خلافه وعداوته ’ إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام ’ وإلا عمه أبا طالب الذى حدب عليه ’ ومنعه ’ وقام دونه .
العبر و العظات :
فى هذا المقطع من سيرته عليه الصلاة و السلام دلالات ثلاث نجملها فيما يلى :
أولا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما صدع بالدعوة الى الإسلام فى قريش وعامة العرب فاجأهم بما لم يكونوا يتوقعونه أو يألفونه ’ تجد ذلك واضحا فى رد أبى لهب عليه ’ ثم فى إتفاق معظم المشركين من زعماء قريش على معاداته و مقاومته ’ وفى ذلك الرد القاطع على من يحاولون تصوير هذا الدين بشرعته و أحكامه ثمرة من ثمار القومية ’ ويدعون أن محمداً صلى الله عليه وسلم إنما كان يمثل بدعوته التى دعا إليها آمال العرب و مطامحهم فى ذلك الحين .
وليس الباحث يحاجة الى أن يتعب نفسه بأى رد أو مناقشة لهذه الدعوى المضحكة عندما يطّلع على سيرته صلى الله عليه وسلم ’ فالذين يروجون لها بين الناس هم أول من يعلم سخفها وبطلانها ’ ولكنها على كل حال دعوى لابد منها فى نظرهم من أجل إزاحة الدين وسلطانه عن سبيل المبادىء و الأفكار الأخرى ’ فليس المهم أن تكون الدعوى صحيحة حتى يمكن الترويج لها ’ ولكن المهم أن تكون مصلحتهم وأغراضهم تتطلب ترويج ذلك وادعاءه ’ ولعلك لم تنس ما ذكرناه مفصلا فى المقدمة الخامسة بصدد هذا الموضوع .
ثانيا : كان من الممكن أن لا يأمر الله رسوله بإنذار عشيرته وذوى قرابته خاصة ’ إكتفاءاً بعموم أمره الآخر وهو قوله : ( ( فاصدع بما تؤمر ) إذ يدخل أفراد عشيرته وذوو قرابته فى عموم الذين سيصدع أمامهم بالدعوة و الإنذار ’ فما الحكمة من خصوصية الأمر بإنذار عشيرته الأقربين ؟
والجواب أن فى هذا إلماحاً الى درجة المسئلوية التى تتعلق بكل مسلم عموماً وأصحاب الدعوة خصوصاً .
فأدنى درجة فى المسئولية هى مسؤولية الشخص عن نفسه ’ ومن أجل إعطاء هذه الدرجة حقها استمرت فترة إبتداء الوحى تلك المدة الطويلة الى رأيناها ’ أى ريثما يطمئن محمد صلى الله عليه وسلم الى انه نبى مرسل ’ وأن ما ينزل عليه إنما هو الوحى من الله عز وجل فيؤمن هو بنفسه أولا ويوطن ذاته لقبول كل ما سيتلقاه من مبادىء ونظم و أحكام .
أما الدرجة التى تليها ’ فهى مسؤولية المسلم عن أهله ومن يلوذون به من ذوى قرباه وتوجيها الى القيام بحق هذه المسئولية خصص الله الأهل و الأقارب بضرورة الإنذار و التبليغ بعد أن أمر بعموم التبليغ و الجهر به ’ وهذه الدرجة من المسؤولية يشترك فى ضرورة تحمل أعباءها كل مسلم صاحب أسرة أو قربى ’ وليس من إختلاف بين دعوة الرسول فى قومه ودعوة المسلم فى أسرته بين أقاربه ’ إلا أن الأول يدعو الى شرع جديد منزل عليه من الله تعالى ’ وهذا يدعو بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم الذى بعث إليه ’ فهو يبلغ عنه وينطق بلسانه ’ وكما لا يجوز للنبى أة الرسول فى قومه أن يعقد عن تبليغهم ما اوحى إليه ’ فكذلك لا يجوز لرب الأسرة أن يقعد عن تبليغ أهله وأسرته ذلك ’ بل يجب أن يحملهم على إتباع ذلك حملا ويلزمهم به إلزاما .
أما الدرجة الثالثة ’ فهى مسئولية العالم عن حيّه وبلدته ’ ومسئولية الحاكم عن دولته وقومه ’ وكل منهما ينوبان فى ذلك مناب الرسول صلى الله عليه وسلم ’ إذ هما الوارثان الشرعيان له لقوله عليه الصلاة و السلام : العلماء ورثة الأنبياء ’ ولتسمية الإمام و الحاكم خليفة ’ أى خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم . على أن العلم و الدراية من لوازم الإمام و الحاكم فى المجتمع الإسلامى ’ فليس من خلاف بين طبيعة المسئولية المنوطة برسول الله صلى الله عليه وسلم و المنوطة بالعلماء و الحكام فى الإتساع و الشمول . إلا أن الرسول كما قلنا يبلغ شرعا جديداً يوحى إليه من الله تعالى ’ أما هؤلاء فيمشون على قدمه ويهتدون بهديه ويلتزمون سنته وسيرته فيما يفعلون ويبلغون .
و إذاً فقد كان صلى الله عليه وسلم يتحمل المسؤولية تجاه نفسه بوصف كونه مكلفاً ’ وكان يتحمل المسئولية تجاه أسرته و أهله بوصف كونه رب أسرة وذا آصرة وقربى ’ ثم كان يتحمل المسئولية تجاه الناس كلهم بوصف كونه نبيا ورسولا مرسلا من الله عز وجل .
ويشترك مع النبى صلى الله عليه وسلم فى الأولى كل مكلف ’ وفى الثانية كل صاحب أسرة ’ وفى الثالثة العلماء و الحكام .
ثالثا : عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه أن يأسروا أنفسهم للتقاليد الموروثة عن آبائهم و أجدادهم دون تفكر منهم فى مدى صلاحها وفسادها ’ ودعاهم الى تحرير عقولهم من أسر الإتباع الإعمى وعصبية التقاليد التى لا تقوم على شى ءمن أساس الفكر و المنطق .
وفى هذا دليل على أن مبنى هذا الدين - بما فيه من عقائد وتشريعات - إنما هو على العقل و المنطق ’ وأن المتوخى فى التمسك به إنما هو مصلحة العباد العاجلة و الآجلة ’ ولذلك كان من أهم شروط صحة الإيمان بالله وما يتبعه من امور إعتقادية أخرى أن يقوم على أساس من اليقين و الفكر الحر ’ دون أدنى تأثر بأى عرف أو تقليد ’ حتى قال صاحب جوهرة التوحيد فى أرجوزته المعروفة :
فكل من قلد فى التوحيد ********إيمانه لم يخل من ترديد
ومن هنا تعلم أن الدين جاء حرباً على التقاليد ’ و الدخول فى أسرها ’ إذ هو قائم فى كل مبادئه و أحكامه على أساس العقل و المنطق السليمين ’ على حين أن التقاليد قائمة على مجرد باعث الإقتداء والإتباع ’ أى دون أن يكون فيه لعنصر البحث و التفكير الحر أى تأثير ’ إذ أن كلمة التقاليد إنما تعنى ’ فى وضع اللغة العربية وما تواضع عليه عرف علماء افجتماع ( مجموعة العادات التى يرثها الآباء عن الأجداد ’ ا, التى تسرى بمجرد عامل الإحتكاك فى بيئة من البيئات أو بلدة من البلدان بشرط أن يكون عامل التقليد المجرد هو العصب الرئيسى الذى يمد فى تلك العادات من أجل الحياة و البقاء ) .
فجميع ما اعتاده الناس من أنماط الحياة فى مجتمعاتهم ’ ومن مظاهر اللهو فى أفراحهم ’ ومن أشكال الحداد فى مآسيهم و أحزانهم ’ مما حاكته عوامل التوارث القديم أو الإقتباس التلقائى عن طريق التأثر و الإحتكاك جميع ذلك يسمى فى إصطلاح اللغة وعلم الإجتماع ( تقاليد ) .
إذا علمت هذا ’ أدركت أن الإسلام لا يمكن أن ينطوى على شىء مما يسمى بالتقاليد ’ سواء ما كان منه متعلقا بالعقيدة أو مختلف النظم و الأحكام ’ إذ العقيدة قائمة على أساس العقل و المنطق ’ والأحكام قائمة على أساس المصالح الدنيوية و الأخروية وهى مصالح تدرك بالتفكير و التدبّر الذاتى وإن قصر عن إدراكها فهم بعض العقول لبعض العوارض و الأسباب .
وإذا تبين لك هذا ’ أدركت مدى خطورة الخطيئة التى يقع فيها من يطلقون كلمة ( التقاليد الإسلامية ) على مختلف ما يتضمنه الإسلام من عبادات وأحكام تشريعية و أخلاقية .
إذ من شأن هذه التسمية الظالمة وترويجها أن توحى الى الأذهان أن قيمة السلوك والخلق الإسلامى ليست بسبب كونه مبدأ إلهيا يكمن فيه سر سعادة البشر - كما هو الحق - وإنما سبب أن كلا من النظام و الخلق الإسلامى إنما هو عادات قديمة موروثة من الآباء و الأجداد ’ ولا ريب أن النتيجة القطعية لهذا الإيحاء أن يضيق أكثر الناس ذرعاً بهذا الميراث القديم الذى يراد فرضه على المجتمع فى عصر كل ما فيه متطور ومتقدم وجديد ’ والواقع أن إطلاق هذا الشعار على الأحكام الإسلامية ’ ليس فى مصدره خطيئة عفوية ’ وإنما هو حلقة فى سلسلة حرب الإسلام بالشعارات الباطلة المدسوسة .
فالغرض الأول من ترويج كلمة ( تقاليد إسلامية ) ’ هو أن يؤتى بمعظم نظم الإسلام و أحكامه ’ ويسدل فوقها شعار ( التقاليد ) حتى إذا مر على ذلك زمن ’ وارتبط معنى التقاليد بنظم الإسلام و أحكامه فى أذهان الناس ’ ونسوا أن هذه النظم إنما هى فى حقيقتها مبادىء قائمة على أساس ما يقتضيه العقل و البحث السليم - أصبح من السهل على أعداء الإسلام أن يحاربوه من النقطة التى تنفذ إليها حرابهم و سهامهم ’ إذ لا ريب أن المسلمين إذا استفاقوا ليجدوا معظم مبادىء الإسلام و أحكامه ’ كشؤون الزواج و الطلاق ’ وحجاب المراة وصيانتها ’ وعامة قضايا السلوك و الأخلاق - قد أسبل عليها رداء التقاليد ’ فإن من الطبيعى أن يجدوا بعد ذلك من يدعو الى نبذ التقاليد و الخروج عن إسارها وكسر قيودها ’ خصوصا فى هذا العصر الذى أصبحت السيادة فيه لحرية الرأى و التفكير .
ولكن الحقيقة أن الإسلام لا تقاليد فيه .
إنه الدين الذى جاء ليخلص العقل من براثن التقاليد ’ كما رأينا فى أولى خطوات الدعوة التى قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إن جميع ما أتى به الإسلام من نظم و تشريعات ’ إنما هى مبادىء و المبدأ هو ما يقوم على أساس من التفكير و العقل ’ ويستهدف الوصول الى مقصد معين ’ وإذا كانت المبادىء البشرية قد تخطىء الصواب أحياناً لشذوذ فى أفكار أصحابها ’ فإن مبادىء الإسلام لا تخطىء الصواب أبداً لأن الذى شرعها هو خالق العقول و الأفكار ’ وفى هذا وحده دليل عقلى كاف للإقتناع بهذه المبادىء و اليقين بوجاهتها وصوابها . أما التقاليد ’ فإنما هى تلك التيارات السلوكية التى ينجرف فيها الناس تلقائياً بمجرد باعث المحاكاة و التقليد لدى الإنسان .
المبادىء هى الخط الذى يجب أن ينضبط بها تطور الزمن ’ لا العكس .
والتقاليد هى مجموعة الطفيليات التى نبتت تلقائياً وسط الحقول الفكرية للمجتمع فهى الحشائش الضارة التى لابد من إجتثاثها و تنقية سبيل التفكير السليم عنها .


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://k7alwatia.ahlamontada.net
 
مراحل الدعوة الإسلامية فى حياة النبى عليه الصلاة و السلام (فقه السيرة - البوطي)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: القسم الإســـلامي :: السيرة النبوية-
انتقل الى: